فرض المشهد التنظيمي الإماراتي الراهن تحولاً جوهرياً في معنى الحوكمة المؤسسية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب — من منظومة توثيق وسياسات، إلى منظومة فهم حقيقي ومساءلة شخصية. يستعرض هذا المقال أبرز الالتزامات العملية الملقاة على عاتق الإدارة العليا في ظل التشريعات الإماراتية النافذة.
التحول في معنى الحوكمة
دخل المرسوم بقانون اتحادي رقم 10 لسنة 2025 بشأن مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وتمويل الانتشار حيز التنفيذ في 14 أكتوبر 2025، تلته اللائحة التنفيذية الصادرة بقرار مجلس الوزراء رقم 134 لسنة 2025 (“اللائحة التنفيذية”) في 14 ديسمبر 2025، لتنسخ كلياً قرار مجلس الوزراء رقم 10 لسنة 2019. وإلى جانبهما، تُشكّل توصيات مجموعة العمل المالي المنشورة في قسم مذكرات توصيات FATF على الموقع الرسمي للمصرف المركزي، وكتاب قواعد هيئة الأوراق المالية والسلع الفصل الخامس، المنظومةَ التنظيمية المعمول بها اليوم.
ما يميز هذه المنظومة عن سابقاتها ليس نصوصها بل فلسفتها: لم يعد السؤال الرقابي “هل توجد سياسات؟” — بل أصبح “هل تُثبت الإدارة العليا أنها تفهم ما توقّع عليه؟”. هذا التحول من الامتثال الشكلي إلى الحوكمة الفعلية هو جوهر ما تقيسه الجهات الرقابية الإماراتية اليوم وفق التوصية رقم 26 من توصيات FATF التي تُوجب تقييم فاعلية الرقابة لا مجرد وجودها.
Core Obligationsالالتزامات الجوهرية
تُوسّع اللائحة التنفيذية تعريف “الإدارة العليا” ليشمل كل من يمارس تأثيراً مباشراً في القرار التشغيلي بصرف النظر عن مسماه الوظيفي، وتجعل المساءلة الشخصية قابلة للتطبيق حتى في غياب النية الجنائية المباشرة. ويُوجب قانون AML 2025 على الإدارة العليا اعتماد السياسات والضوابط بفهم موضوعي للافتراضات التي تقوم عليها — لا بتوقيع إجرائي — ودمج اعتبارات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب ومكافحة تمويل الانتشار في هياكل الحوكمة المؤسسية بأسرها لا تقييدها بوصفها وظيفة امتثال منعزلة.
(التوصية رقم 18، توصيات FATF؛ اللائحة التنفيذية، قرار مجلس الوزراء رقم 134 لسنة 2025)
وفيما يخص النهج القائم على المخاطر، فإن تقييم المخاطر الساكن — الذي يُراجع مرة سنوياً ولا يُترجم إلى قرارات تشغيلية — لا يستوفي متطلبات التوصية رقم 1 من توصيات FATF. كما وسّعت اللائحة التنفيذية نطاق التقييم صراحةً ليشمل مخاطر تمويل الانتشار إلى جانب مخاطر غسل الأموال وتمويل الإرهاب التقليدية.
(قرار مجلس الوزراء رقم 134 لسنة 2025؛ التوصية رقم 19، توصيات FATF)
High-Risk Relationships & EDDالعملاء عالي المخاطر والعناية الواجبة المعززة
يُعدّ هذا الملف الأكثر كشفاً للفجوة بين ما تعتمده الإدارة العليا وما تفهمه. جاءت اللائحة التنفيذية بتوسيع جوهري: موافقة الإدارة العليا باتت مطلوبة لجميع علاقات الأعمال عالية المخاطر دون استثناء — لا للأشخاص ذوي المكانة السياسية البارزة وحدهم كما كان سابقاً. كما استُحدث متطلب جديد كلياً: تحديد مصدر الثروة لا مصدر الأموال فحسب، واشتراط أن تكون الدفعة الأولى من حساب باسم العميل لدى مؤسسة تخضع لمعايير عناية واجبة مماثلة.
(اللائحة التنفيذية، قرار مجلس الوزراء رقم 134 لسنة 2025؛ التوصية رقم 12، توصيات FATF)
طلب الموافقة على علاقة عالية المخاطر يجب أن يُعامَل باعتباره وثيقة تحليلية لا إشعاراً إدارياً. واعتماد العلاقة ثم التوقف عن مراجعات العناية الواجبة المعززة دون مبرر — هو بالضبط النمط الذي تُمحّص فيه الجهات الرقابية الإماراتية في مراجعاتها الميدانية.
(التوصية رقم 10، توصيات FATF؛ كتاب قواعد هيئة الأوراق المالية والسلع، الفصل الخامس)
Sanctions, Reporting & Cultureالعقوبات المالية والإبلاغ والثقافة المؤسسية
منح قانون AML 2025 وحدة المعلومات المالية صلاحيات تعليق المعاملات حتى عشرة أيام عمل وتجميد الأصول حتى ثلاثين يوماً — وهو ما يُلزم الإدارة العليا بمراجعة بروتوكولات التصعيد الداخلي في ضوء هذا التوسيع. وتُؤكد التوصية رقم 6 والتوصية رقم 7 من توصيات FATF أن تنفيذ العقوبات المالية المستهدفة يستوجب إجراءات تجميد فورية لا تقبل أي تأخير تشغيلي. (قرار مجلس الوزراء رقم 74 لسنة 2020؛ كتاب قواعد هيئة الأوراق المالية والسلع، الفصل الخامس، الباب الرابع)
أما على صعيد الإبلاغ، فإن السؤال الجوهري لم يعد “هل تُقدَّم تقارير المعاملات المشبوهة في الوقت المحدد؟” — بل أصبح: هل الإدارة العليا تُولّد ثقافة إبلاغ أم مجرد منظومة إبلاغ؟ المؤسسة التي يتردد فيها مسؤول الإبلاغ عن غسل الأموال قبل التصعيد — لا لأن المعلومات ناقصة بل لأن الثقافة المؤسسية لا تُشجع على ذلك — هي مؤسسة تحمل مخاطر امتثال أعمق بكثير مما تكشفه سجلاتها الرسمية.
(التوصية رقم 18(2)، توصيات FATF؛ اللائحة التنفيذية، قرار مجلس الوزراء رقم 134 لسنة 2025)
Regulatory Consequencesالتبعات التنظيمية
أسس قانون AML 2025 منظومة تبعات تطال الجهات الخاضعة للرقابة والإدارة العليا على حدٍّ سواء: غرامات إدارية تصل إلى مئة مليون درهم أو ما يعادل قيمة الأموال موضوع الجريمة أيهما أعلى، وتقييد للترخيص، وقيود إشرافية، وفي سياقات أشد خطورة مسؤولية جزائية شخصية. والأهم أن الجهات الرقابية الإماراتية باتت تُفرّق بوضوح بين الأخطاء التشغيلية المعزولة وإخفاقات الحوكمة الممنهجة — وهو تمييز توجبه التوصية رقم 35 من توصيات FATF التي تشترط أن تكون العقوبات فعّالة ومتناسبة وذات أثر رادع.
المصادر · Sources
- المرسوم بقانون اتحادي رقم 10 لسنة 2025 بشأن مكافحة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب وتمويل الانتشار (النافذ من 14 أكتوبر 2025).
- قرار مجلس الوزراء رقم 134 لسنة 2025 — اللائحة التنفيذية (النافذ من 14 ديسمبر 2025، ناسخ قرار مجلس الوزراء رقم 10 لسنة 2019).
- قرار مجلس الوزراء رقم 74 لسنة 2020 بشأن قوائم الإرهابيين وتطبيق عقوبات مجلس الأمن الدولي.
- كتاب قواعد هيئة الأوراق المالية والسلع لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب — الفصل الخامس، الموقع الرسمي لـ SCA، قسم التشريعات.
- توصيات مجموعة العمل المالي الأربعون والملاحظات التفسيرية — قسم مذكرات توصيات FATF، الموقع الرسمي للمصرف المركزي لدولة الإمارات العربية المتحدة.
